Rust داخل نواة لينكس لم تعد تجربة: كيف تحوّلت سلامة الذاكرة إلى قرار صناعي؟
80% من ثغرات نواة لينكس سببها أخطاء الذاكرة، ولهذا صارت Rust جزءًا دائمًا منها. الأرقام الحقيقية للتبنّي، وحدود اللغة التي يتجاهلها الحماس عادةً.

في ديسمبر 2025، وفي اجتماع مغلق لمشرفي نواة لينكس في طوكيو، اتُّخذ قرار بدا صغيرًا في صياغته وكبيرًا في أثره: إزالة كلمة «تجريبي» من دعم لغة Rust داخل النواة. لم يكن إعلانًا صاخبًا ولا إصدارًا جديدًا، بل اعترافًا بأن تجربة استمرّت خمس سنوات قد نجحت. وبحسب المشرف ستيفن روستيدت، لم تواجه الخطوة أي اعتراض على الإطلاق. بحلول إصدار لينكس 7.2 في أغسطس 2026، كانت Rust ببساطة جزءًا من بيئة التطوير القياسية للنواة. هذا المقال يشرح ما الذي تغيّر فعلًا، والرقم الأمني الذي يقف خلف القرار، وحدوده الحقيقية التي يتجاهلها كثير من التغطيات المتحمّسة.
الرقم الذي غيّر القرار: 80% من الثغرات

الحجّة التي حسمت النقاش لم تكن جمالية ولا تتعلّق بأناقة اللغة. المشرف غريغ كروا-هارتمان، المسؤول عن الإصدارات المستقرّة، وضع الرقم على الطاولة: ما يُقدَّر بـ 80% من الثغرات المسجّلة في نواة لينكس مصدرها أخطاء في سلامة الذاكرة.
هذه فئة محدّدة من الأخطاء: القراءة خارج حدود المصفوفة، استخدام مؤشّر بعد تحريره، التحرير المزدوج، تجاوز سعة المخزن المؤقت. كلها أخطاء لا تنتج عن سوء تصميم ولا عن إهمال، بل عن طبيعة لغة C نفسها التي تمنح المبرمج تحكّمًا كاملًا في الذاكرة دون شبكة أمان.
Rust تقدّم الصفقة المعاكسة: نفس مستوى التحكّم وغياب جامع القمامة، لكن مع مدقّق في وقت الترجمة يرفض ببساطة كتابة كود يخالف قواعد الملكية والاستعارة. الخطأ الذي كان يظهر كثغرة أمنية بعد سنتين من التشغيل، صار خطأ ترجمة يظهر قبل الدمج.
التحوّل الحقيقي ليس أن Rust أكثر أمانًا، بل أن سلامة الذاكرة انتقلت من تفضيل هندسي إلى مطلب سياساتي — بعد أن أوصت به وكالتا NSA وCISA صراحةً.
وأضاف كروا-هارتمان في مؤتمر Rust Week بمدينة أوترخت في مايو 2026 نقطة أقل تداولًا لكنها مهمة: اللغة لا تحسّن الأمان فحسب، بل تجعل عمل المشرفين «أكثر احتمالًا» — لأن مراجعة كود يضمن المترجم سلامته في الذاكرة عبء أخف بكثير.
ماذا يعني «دائم» بالضبط؟ وحدود القرار
هنا تحديدًا تُساء قراءة الخبر أكثر ما يُساء. القرار لا يعني إعادة كتابة لينكس بلغة Rust، ولا يعني حتى أن ذلك مخطّط له:
- الأغلبية الساحقة من النواة ستبقى بلغة C لعقود قادمة. لا جدال في ذلك داخل مجتمع النواة نفسه.
- التوجّه للكود الجديد فقط، وفي المواضع التي يكون فيها فشل سلامة الذاكرة مكلفًا. أما إعادة كتابة كود قائم ومستقرّ لمجرّد تغيير اللغة فتُعتبر مخاطرة غير مبرَّرة.
- مشغّلات الأجهزة (Drivers) هي بوابة الدخول المقصودة، لأنها الطبقة الأكثر عرضة للأخطاء والأقل ارتباطًا بالبنية العميقة للنواة.
أين تعمل Rust فعليًا داخل النواة اليوم؟
| المكوّن | الوصف |
|---|---|
| مشغّل asahi | مشغّل معالج الرسوميات لأجهزة آبل بمعالجات السيليكون الخاصة |
| Binder | إعادة كتابة طبقة الاتصال بين العمليات في أندرويد |
| مشغّل NVMe | مشغّل لوحدات التخزين السريعة |
| Nova | مشغّل مفتوح المصدر لمعالجات NVIDIA، قيد التطوير |
| ashmem | مخصّص ذاكرة يعمل في أجهزة أندرويد 16 |
أول مشغّلات Rust قُبلت في النواة مع الإصدار 6.8 في ديسمبر 2023، أي أن المسافة بين أول سطر مقبول وبين إزالة الصفة التجريبية كانت سنتين فقط.
ما وراء لينكس: مايكروسوفت وجوجل وأمازون
قرار لينكس هو الأبرز إعلاميًا، لكنه ليس معزولًا. الإشارات المؤسسية تراكمت من ثلاث جهات كبرى:
- مايكروسوفت تشحن كود Rust داخل مكوّنات نواة ويندوز، وفي Azure، وفي Hyper-V، ضمن مسار منهجي لإعادة كتابة مكوّنات حسّاسة.
- جوجل تشغّل كود Rust إنتاجيًا في أندرويد 16. والرقم الذي تنشره فريق الأمان لديها هو الأقوى في هذا الملف كله: صفر ثغرات سلامة ذاكرة في كود Rust داخل أندرويد منذ بدء التبنّي، مقابل مئات سنويًا في كود C/C++ داخل قاعدة الكود نفسها.
- أمازون تشغّل خدمتي Lambda وFargate فوق Firecracker، وهي آلة افتراضية دقيقة مكتوبة بـ Rust وتعمل في الإنتاج منذ 2018.
ماذا تقول أرقام التبنّي الحقيقية؟
نتائج استطلاع «حالة Rust» لعام 2025، المنشورة في مارس 2026، جُمعت من 7,156 استجابة، وتُظهر منحنى صاعدًا لكن متزنًا:
- 48.8% من المؤسسات تستخدم Rust استخدامًا غير هامشي، صعودًا من 38.7% في 2023 و45.5% في 2024.
- 84.8% من المؤسسات التي تبنّتها تقول إنها ساعدتها على تحقيق أهدافها.
- 78.5% ترى أن التبنّي كان يستحق تكلفته، و65.4% ستختارها مرة أخرى.
- الإنتاجية الذاتية المُقدَّرة ارتفعت من 42.3% في 2022 إلى 56.8% في 2025.
- على مستوى الأفراد: نحو 2.27 مليون مطوّر استخدموا Rust خلال اثني عشر شهرًا، منهم 709 آلاف يعتبرونها لغتهم الأساسية.
تحفّظ منهجي يذكره فريق الاستطلاع بنفسه، ويستحق التكرار: البيانات مأخوذة ممّن يستخدمون Rust أصلًا، فلا يصحّ قراءتها كصورة عن الصناعة كلها. من يجيب على استطلاع عن لغة هو غالبًا من يحبّها.
الفجوة بين الحب والوظائف
مؤشّر آخر يستحق الصدق: حضور Rust على GitHub وReddit يضعها في المرتبة 6–7، بينما ترتيبها في إعلانات الوظائف يقع حول 10–12. المطوّرون يحبّونها أكثر ممّا تتبنّاها الشركات، والشركات تتبنّاها بانتقائية في المواضع الحسّاسة لا كلغة عامة.
ما الذي لا تحلّه Rust؟
الادعاءات الدقيقة أضيق بكثير من الحماس المتداول، ومن المهم معرفة الحدود قبل اتخاذ قرار تقني:
unsafeموجودة في اللغة للعمليات التي لا يستطيع المترجم إثبات سلامتها، وهي ضرورية في كود النواة تحديدًا.- حدود الربط مع C/C++ (FFI) لا يمكن التحقّق منها تلقائيًا، فالضمانات تتوقّف عند الحدود.
- Rust لا تصحّح متطلبات خاطئة. قواعد صلاحيات معطوبة، أو تشفير مُطبَّق بشكل خاطئ، أو منطق عمل غلط — كلها تُترجَم بنجاح تام.
- الجمود والتعطّل (Deadlocks) ليست ضمن ما تمنعه.
- العقبات المعلنة للتبنّي بحسب المستطلعين: قلّة الاستخدام الصناعي المُدرَك (42.1%)، والتعقيد (41.6%)، وبطء زمن الترجمة كأكثر شكوى تقنية استمرارًا.
أسئلة شائعة
هل يجب أن أتعلّم Rust الآن؟
إن كان عملك في برمجة الأنظمة أو المشغّلات أو البنية التحتية أو أي مكان تكون فيه ثغرة الذاكرة مكلفة فعلًا، فالإجابة تميل بقوة إلى نعم، والاتجاه الصناعي واضح. أما إن كنت تبني تطبيقات ويب أو خدمات أعمال عادية، فليست أولوية — اللغة تحلّ مشكلة محدّدة، وتبنّيها خارج سياقها يشتري تعقيدًا لا تحتاجه.
هل ستحلّ Rust محلّ لغة C؟
لا، وليست هذه الخطة المعلنة من أحد. C ستبقى تشغّل الأغلبية الساحقة من كود النواة لعقود. ما يجري هو تقسيم عمل: الكود الجديد في المواضع الحسّاسة يُكتب بـ Rust، والقائم يبقى كما هو ما دام مستقرًّا.
ما الفرق بين هذا وبين موجات الحماس السابقة للغات جديدة؟
الفرق أن الدافع هنا ليس ذوقًا برمجيًا بل بيانات أمنية وتوصيات جهات تنظيمية. حين يتحوّل مطلب تقني إلى سياسة مؤسسية، يصبح التبنّي أبطأ لكنه أكثر ثباتًا — وهذا تحديدًا ما يفسّر الصعود المتدرّج المستقرّ بدل القفزة المفاجئة.
الخلاصة
القصة الحقيقية ليست أن لغة برمجة فازت على أخرى. القصة أن صناعة البرمجيات وصلت أخيرًا إلى حدّ اعترفت فيه بأن فئة كاملة من الثغرات — 80% من ثغرات نواة لينكس — ليست قدرًا، بل نتيجة قابلة للحذف باختيار أدوات مختلفة للكود الجديد.
القرار في طوكيو كان متأخرًا خمس سنوات عن أول نقاش، وجاء بلا اعتراض. وهذا في عالم مشرفي نواة لينكس، المعروفين بصرامتهم ومقاومتهم لأي تغيير غير مُبرَّر، أبلغ من أي بيان صحفي.